
نواصل في هذه المقالة سلسلة مقالاتنا حول تطوير الخطوط.
إذا لم تكن قد قرأت بعد مقالتنا السابقة “كيف لا تضيع في العمل على الخط. فن تحديد المهمة”، فننصحك بالاطلاع عليها، لأنها مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بهذا النص.
في هذه المقالة، تواصل يوليا غونينا — المديرة الفنية في TypeType ومصممة خطوط مثل TT Livret وTT Fellows وTT Autonomous وTT Ricordi Todi — الحديث عن المراحل الأولى من العمل على تصميم العائلة الخطية. وهذه المرة سنتناول ربما أكثر جزء إبداعي في المشروع — إنشاء الرسومات الأولية.
الرسم الأولي
لكل مصمم تفضيلاته الخاصة فيما يتعلق بكيفية تنفيذ الرسومات الأولية. وبرأيي، لا داعي للإصرار على أسلوب معيّن — الأهم هو أن تكون التقنية التي تختارها مريحة لك. سأشارككم تجربتي الشخصية وأشرح لماذا أعمل بهذه الطريقة دون غيرها.
ولمن هم في بداية طريقهم كمصممي خطوط، أنصح بشدة أن يرسموا يدويًا قدر الإمكان — سواء بابتكار أشكال جديدة من الصفر أو بإعادة رسم حروف أعجبتهم. سيساعدكم ذلك كثيرًا على فهم بنية الحروف من خلال تجربة حسية وجسدية مباشرة. عندما أواجه صعوبة في إيجاد شكل معيّن باستخدام الرسم الرقمي، مثلًا عندما لا أستطيع رسم علامة “&” بشكل جميل، أو أريد ابتكار عنصر خاص، آخذ ورقة وأبدأ بالرسم يدويًا. وللمفاجأة — يدي “تنجح” غالبًا أكثر مني!

من الأفضل أن تبدأ العمل ببضعة رموز من مجموعات مختلفة: رموز مستقيمة، دائرية، ومثلثية الشكل. الكلمات التجريبية الشائعة مثل “handgloves” و”hamburgevonts” تُستخدم بكثرة، لأنها تحتوي على أحرف من الحروف الكبيرة والصغيرة. لكن يمكنك أيضًا ابتكار كلماتك الخاصة. أنا شخصيًا أحب أن أبدأ بحرف “a”.
فهو يُظهر مباشرةً شكل القوس، وعرض الخطوط المستقيمة، وطابع النصف بيضاوي، وشكل النهاية. كما يمنحك انطباعًا عامًا عن أسلوب الخط.
وإذا كان الخط يحتوي على أكثر من نظام كتابي، مثل اللاتينية والسيريلية، فغالبًا (لكن ليس دائمًا) ما يبدأ العمل بالحروف اللاتينية أولًا.
الرسومات اليدوية
1. يمكن الرسم باليد بطرق مختلفة. وأبسط طريقة — وهي المفضلة لدى مصممي الخطوط — هي رسم الشكل باستخدام التمرير (التظليل بالقلم). في البداية، خذ قلم ماركر وابدأ بتظليل هيكل الحرف على ورقة. ولا حاجة في هذه المرحلة لرسم حدود الحرف مسبقًا — فقط ظلّل الهيكل مباشرة.

انتبه إلى أن التظليل في هذا المثال يتم بزاوية — وكأن الحروف كُتبت بريشة مسطحة. هذا ليس صدفة. فالرسمة في الصورة هي اسكتش لخط أنتيكا انتقالي (وقد وضعنا له موجزًا في المقال السابق)،
مما يعني أن محور البيضويات في هذا الخط سيكون مائلًا. هذا النوع من الاسكتشات يساعد مباشرة على فهم كيفية توزيع الكتلة على هيكل الحرف.
ولم أطلق عليه اسم “الاسكتش الأساسي” عبثًا — فهو يُمكن أن يكون نقطة الانطلاق، أو الهيكل الأساسي الذي تُبنى عليه تفاصيل الرموز لاحقًا. ويمكن تنفيذ هذه التفاصيل بعدة طرق مختلفة.
2. يمكنك الاستمرار في تفصيل الحروف يدويًا. إذا كنت ترغب في ضبط النِّسَب والهيكل العام، من الأفضل مواصلة العمل باستخدام التظليل. للقيام بذلك، خذ ورقة شفافة (كالك) وضعها فوق الاسكتش الأصلي، ثم ظلّل نسخًا جديدة من الحروف مباشرة فوق الرسم الذي يظهر من خلال الورقة. بهذه الطريقة، لن تحتاج إلى إعادة رسم الحروف من الصفر، وفي نفس الوقت ستحافظ على الاسكتش الأولي كمرجع.

3. عندما تشعر بالرضا عن أشكال الحروف ونِسَبها، يمكنك الانتقال إلى مستوى أعمق من التفاصيل. خذ ورقة شفافة (كالك) مرة أخرى، وضعها فوق الرسمة المُظللة، لكن هذه المرة استخدم أداة أكثر دقة — مثل قلم التحديد الدقيق — لتحديد حواف الحروف ورسم الحدود بدقة أكبر.

بهذه الطريقة، تبدأ في تطوير التفاصيل: مثل النهايات، أشكال الذنابات، وغيرها. الخط هنا يُظهر كيف سيبدو الشكل النهائي في برنامج تحرير الخطوط. ومن خلال هذا النوع من الاسكتشات الخطية، يمكنك ليس فقط رسم الحروف كاملة، بل أيضًا استكشاف أجزاء منفصلة منها بشكل دقيق.

4. بعد ذلك، يمكنك نقل الحروف إلى برنامج تحرير الخطوط، ومواصلة تطويرها هناك.
وإليك بعض القواعد الأساسية لبناء الكونتور داخل برنامج تصميم الخط، والتي ستفيدك في هذه المرحلة:
أ. يجب أن يكون عدد النقاط على الكنتور أقل ما يمكن؛
ب. تُرسم المنحنيات عند النقاط القصوى، ولا تُضاف نقاط إضافية إلا إذا كانت ضرورية حقًا؛
النقاط القصوى هي أكثر الأماكن بروزًا في المنحنى، سواء على المحور العمودي أو الأفقي.
ج. يمكن أن تتقاطع الحدود، وهذا أمر مقبول ومفيد من الناحية التقنية.
توجد مقالة مفصلة ومرئية على موقع برنامج تحرير الخطوط Glyphs تشرح كيفية رسم الحدود (الكونتورات) بشكل صحيح — والمبادئ المذكورة هناك تنطبق على جميع برامج تحرير الخطوط.
دعونا نبدأ بنقل بعض الرموز. ولأغراض التوضيح، سأقوم بوضع النقاط القصوى مباشرة على الرسم.

عند نقل الكونتور إلى برنامج تحرير الخطوط بصيغته الأولية، غالبًا ما لا يبدو جميلًا كما هو على الورق. فرسم اليد يحتوي على سحر العفوية، وهو ما يخفي الكثير من العيوب. أما الرسم الرقمي، فهو دقيق وصارم، ويُبرز كل خلل أو عدم توازن. لذلك، مهما بدا الاسكتش اليدوي نظيفًا، فستكون أمامك الكثير من العمل لتحسين النسخة الرقمية داخل برنامج التحرير.
ولهذا السبب، يقوم المصممون غالبًا بنقل الاسكتش المظلّل (المرحلتين 1 و2) إلى البرنامج، ويبدؤون بتنفيذ التفاصيل الدقيقة هناك (المرحلة 3). وأحيانًا، يتجاوز بعض المصممين مرحلة الاسكتشات اليدوية تمامًا، ويبدؤون مباشرة بالرسم داخل البرنامج. كلا الخيارين ممكنان، والأمر يعتمد على تجربتك وتفضيلاتك الشخصية. لكنني أكرر نصيحتي: للمصممين المبتدئين، من الأفضل دائمًا العمل على الاسكتشات يدويًا في البداية.
اختبار الرسومات الأولية
الآن حان وقت العمل الجاد لاختبار فكرة الخط، وتطوير التفاصيل بدقة. طريقة اختبار الخط تعتمد بشكل مباشر على المهمة التي ستؤديها العائلة الخطية — (وقد تحدثنا في المقال السابق عن كيفية صياغة هذه المهمة). أول ما يجب فعله هو أن تتخيل أين سيتم استخدام خطك، ثم تضعه في ذلك السياق.
على سبيل المثال: إذا كنت تصمم خطًا لواجهات الاستخدام، فلماذا لا تنشئ نموذجًا تجريبيًا في Figma وتُدرج الخط فيه؟ إذا كنت تصمم خط “أنتيكا” للنصوص، فقم بتصميم صفحة من كتالوج متحف باستخدامه. وإذا كنت تستهدف تصميم خطًا زخرفيًا للترويسات، فابتكر ملصقًا — أو حتى سلسلة من الملصقات — تُبرز فيه الطابع الجريء للخط.

كونك رسمت عددًا قليلًا فقط من الحروف حتى الآن — فهذا ليس مشكلة على الإطلاق. هناك خدمات تتيح لك توليد “نصوص” باستخدام مجموعة محدودة من الحروف، مثل خدمة Just Another Foundry. من المهم جدًا أن تقوم منذ البداية بضبط تباعد الحروف بشكل مناسب أثناء الرسم، حتى لا يُعيق الإيقاع غير المنتظم عملية تقييم شكل الحروف. وسنتحدث عن موضوع التباعد بشكل مفصّل في إحدى المقالات القادمة.

بينما لا تزال تبحث عن أشكال الحروف، من المفيد أن تنظر إلى الخط بأحجام كبيرة — حتى لو كان خطًا مخصصًا للنصوص. أنشئ لنفسك مساحة عمل على الحائط، تُعلّق فيها كل ما يتعلق بمشروعك: الرسومات، الاسكتشات، الكلمات التجريبية، الملصقات، نسخ مطبوعة من النماذج، بالإضافة إلى المراجع ومصادر الإلهام الأخرى. هذا سيساعدك على رؤية الصورة الكاملة للمشروع في أي لحظة. ويمكنك الاقتراب لرؤية التفاصيل الدقيقة، أو الابتعاد لرؤية التكوين بشكل شامل من بعيد. وبهذا الشكل، سيكون من السهل عرض المشروع على الآخرين، مناقشته، وتدوين الملاحظات مباشرة.

طريقة أخرى لاختبار الخط — سواء في مرحلة الاسكتشات أو في المراحل المتقدمة — وهي الطريقة التي أحب استخدامها شخصيًا:
نشر منشورات باستخدام الخط على وسائل التواصل الاجتماعي. ورغم أن هذا قد لا يكون السياق النهائي الذي سيُستخدم فيه الخط لاحقًا، إلا أنه يُمثّل مهمة واقعية يبدأ الخط بتنفيذها من الأيام الأولى. وعندما تستخدم الخط في الحياة الفعلية، يصبح من الأسهل أن تنظر إليه من الخارج، وتلاحظ العيوب أو فرص التحسين التي قد لا تراها أثناء العمل. كما يمكنك أيضًا أن تلاحظ رد فعل الجمهور مباشرة — وهو أمر مهم بدوره.

من الاسكتش إلى الرسم الرقمي (الفيكتوري)
في الختام، دعونا نرَ كيف يمكن أن يتطور الاسكتش الأولي بعد فترة طويلة من العمل عليه بصيغة رقمية. وسنستخدم كمثال خط الأنتيكا الوظيفي نفسه، الذي وضعنا له موجزًا في المقال السابق.

وهكذا، قد قطعنا الطريق من ولادة الفكرة على ورقة إلى شكلها المتكامل والمحوّل إلى صيغة رقمية. لكن لا يزال أمامنا الكثير من العمل. لذا لا تفوّتوا المقالات القادمة!
