
نواصل غوصنا المثير في عالم تصميم الخطوط المتعدد الأوجه! نذكّركم بأننا نستعرض عملية إنشاء الخطوط خطوة بخطوة، لذا نوصيكم بالاطلاع على المواد السابقة من سلسلة “معهد TT” قبل قراءة هذه المقالة.
هذه المرة سنتحدث عن المرحلة الأولى من رسم الحروف اللاتينية الأساسية — بناء الأشكال، وتحديد جميع السمات الرسومية، والنِّسب، والتناسق. وستشرح لنا كل ذلك قائدة التصميم في TypeType أنطونينا جولكوفا. تعمل تونيا في مجال تصميم الخطوط منذ أكثر من 5 سنوات. وهي صاحبة الأفكار والمصممة الرئيسية في مشاريع مثل TT Neoris وTT Ricordi Allegria وTT Globs وIvi Sans Display. كما شاركت في تصميم خطوط TT Fellows وTT Fors وTT Interphases Pro وTT Commons وRed Collar وغيرها الكثير.
من أين نبدأ رسم الحروف اللاتينية الأساسية؟
بعد أن تنتهي من جميع التحضيرات، وتحدد مهمة الخط وخصائصه الأساسية، وتنجز الرسومات المبدئية، يحين الوقت للانتقال إلى رسم الحروف في محرر الخطوط.
الفكرة الرئيسية التي أود إيصالها في هذا القسم هي أن الخط ليس مجرد مجموعة من الحروف والرموز المنفصلة، بل هو نظام موحد. لذلك، يجب أن تؤثر أي قرار رسومي على جميع الحروف الأخرى. من جهة، قد يبدو هذا المفهوم مقيِّدًا ومملًا. ولكن من جهة أخرى، فإن هذا الاتساق في الخط هو ما يمنحنا القوة من الناحية البصرية، حيث يربط جميع الحروف ببعضها، كما يساعدنا في سير العمل. إن فهم المبادئ الأساسية لبناء الخط يسهل علينا تنظيم عملية الرسم بأكملها. أكرر مرة أخرى: المنطق الواضح في بناء الحروف هو جوهر عملية رسم الخط وهو العامل الرئيسي في اتخاذ جميع القرارات.

يبدأ رسم أي خط في محرر الخطوط بتصميم الحروف الأساسية للّغة اللاتينية في كلا النمطين (الأحرف الكبيرة والصغيرة). من خلال هذه الحروف نُحدد لأنفسنا السمك والتناسبات التي سنعتمد عليها عند رسم باقي الحروف. يجب رسم هذه الحروف استنادًا إلى الرسومات التخطيطية الجاهزة مسبقًا. كمثال، سأعرض خطّين — أنتيكفا وغروتيسك — لكي تتمكنوا من مقارنة أسلوبين أساسيين وفهم كيف تختلف عمليات العمل عليهما وأين تتقاطع.
سوف نرسم الخط بناءً على المهام التي أصبحت مألوفة لنا من “الدروس” السابقة — إنشاء أنتيكفا عصرية ووظيفية، ونيو-غروتيسك وظيفي لواجهات الاستخدام. في بعض الحالات، سأستعين بأمثلة من خطوط أخرى حتى أُظهر لكم الصورة الكاملة للعملية التي أصفها. وأُشير من البداية إلى أننا سنتناول في هذا القسم الأنماط المستقيمة فقط. أما الرحلة إلى عالم الخطوط المائلة (الإيتاليك)، فستنطلق في الفصول القادمة.

البداية: الحروف الأولى
يمكن تقسيم جميع حروف الأبجدية اللاتينية الأساسية بشكلٍ تقريبي إلى ثلاث مجموعات: الحروف المستقيمة أو المستطيلة (مثل “H” أو “n”)، والحروف الدائرية (“O”، “o”)، والحروف المثلثية (“A” أو “v”). يبدأ عملنا بهذه الحروف، وعلى أساسها سنبني بقية الحروف.
سأبدأ حديثي عن رسم الحروف بالحروف الكبيرة (الحروف الكبيرة اللاتينية). وهناك سببان لذلك: أولاً، تاريخيًا ظهرت الحروف الكبيرة في الكتابة اللاتينية قبل الحروف الصغيرة. ثانيًا، من حيث منطق البناء، تعتبر هذه الحروف أبسط قليلاً من الحروف الصغيرة. إذا كنت قد رسمت فقط حروفًا صغيرة في الاسكتشات، فهذا هو الوقت المناسب للعودة إلى الرسومات ورسم الحروف “H”، “O” و”A” بجانبها، لتحديد النِّسب والسماكات وفهم كيف تتناسب الحروف الصغيرة في خطك مع الحروف الكبيرة. بالطبع يمكنك البدء برسم الحروف من أي نوع (كبيرة أو صغيرة) لتطوير الفكرة البصرية. لكنني أرى أن البدء بالحروف الكبيرة هو الخطوة المنهجية الصحيحة.

إذا كنت تخطط لرسم عائلة خطوط كاملة تحتوي على عدة أوزان، فمن الأفضل أن تبدأ بالوزن “العادي”، الذي قررت أن تجعله “ماسترًا” خلال مرحلة الرسومات الأولية. تنطبق هذه القاعدة على الخطوط المحايدة نسبيًا، حيث تكون قابلية القراءة ومنطق بناء الحروف أمرًا بالغ الأهمية. بالإضافة إلى ذلك، فإن وزن العادي هو الأنسب لفهم وتحديد جميع الخصائص الرسومية للخط.
أما في حالة الخطوط العرضية (العناوين أو الزخرفية)، فإن عملية الرسم قد تعتمد فقط على خيالك، ولا يلعب اختيار “الماستر” دورًا كبيرًا فيها. يمكنك قراءة المزيد عن الفروق الدقيقة في تخطيط عائلة الخطوط في مقالنا «معهدТТ: الدرس الرابع».

معلمات سماكة الحروف والتعويضات البصرية
قبل أن ننتقل مباشرة إلى الرسم، نحتاج إلى مناقشة جزء نظري يتعلق بتنوع سماكات الحروف داخل الخط. إن القيم الرقمية للسماكات مهمة جدًا في تصميم الخطوط. أولًا، نعتمد عليها عند بناء باقي الحروف في عائلة الخط. وثانيًا، من خلالها يمكننا تحديد هوية الخط وتصنيفه الأسلوبي، وفهم ما إذا كان مناسبًا للمهمة المطلوبة.
رؤيتنا البصرية لها خصائصها الخاصة، فالأشكال “الصحيحة رياضيًا” والتي تكون متساوية في الحجم قد لا تبدو لنا متساوية عند وضعها بجانب بعضها. وهذا جانب بالغ الأهمية لمصمم الخطوط. فعند رسم الحروف، يجب أخذ هذا الإدراك البصري بعين الاعتبار لضمان أن يبدو النص متوازنًا ومتسقًا عند استخدام الخط. يتضح هذا بشكل أفضل عند النظر إلى الأشكال الهندسية.

في الرسم العلوي، تبدو الدائرة أصغر من المستطيل، والمثلث أصغر من الدائرة، على الرغم من أن ارتفاع جميع الأشكال في الواقع متماثل. أما في الرسم الثاني، فقد تم تعويض الأشكال بناءً على الإدراك البصري، ولهذا تبدو متساوية في الارتفاع. في الحقيقة، تخرج الدائرة وقمة المثلث عن حدود “الخطوط الأساسية”. يمكنك إجراء نفس التجربة بنفسك (في محرر رسومي أو على ورقة) باستخدام أنواع مختلفة من الأشكال وخصائصها، لتشعر بنفسك بالفرق في الإدراك البصري.

غالبًا ما يبدو المثال باستخدام الأشكال الهندسية بعيدًا عن “التصميم الحقيقي”، لكن مثل هذه المقارنات التجريدية ضرورية لفهم الأساسيات. إدراكنا البصري يؤثر أيضًا على تقييمنا للسماكات — إذ إن الخطوط الأفقية دائمًا ما تبدو أكثر سماكة من الخطوط العمودية، حتى لو كانت لها نفس السماكة الفعلية. كذلك، سيبدو الخط المستقيم أكثر سماكة من خط منحنٍ بنفس السماكة (كما هو الحال في حرف “O”). لذلك، إذا كنت تصمم خطًا يبدو بلا تباين بصري، مثل الغروتيسك المحايد، حيث يجب أن تبدو جميع الخطوط متساوية بصريًا، فيجب أن تجعل الخطوط الأفقية أرق من الخطوط العمودية.

لرسم الحروف في الخط، من الضروري تحديد أربعة أبعاد أساسية لكل من حالتي الحروف (الكبيرة والصغيرة): سماكات الأعمدة الرأسية (في الحروف المستقيمة والدائرية) وسماكات الخطوط الأفقية (أيضًا في نوعي الحروف). تبقى سماكة الخطوط القطرية حالة خاصة سنتناولها لاحقًا. من المهم أن نتذكر أنه كلما زادت سماكة التصميم، يجب أن تكون الفروقات بين السماكات الأفقية والرأسية أكبر. وهناك نقطة أخرى — إدراكنا لسماكة الخط يعتمد على حجم الحرف بالكامل: فكلما كان الحرف أكبر وبه مساحة بيضاء أكثر، بدا لنا أفتح. ولهذا السبب يجب مقارنة أبعاد الحروف الصغيرة مع الحروف الكبيرة وتصحيحها من خلال الاختبار.

عمليات اختيار السماكات في الخط الغروتيسكي والأنتيكفا متشابهة في جوهرها. الاختلاف يكمن فقط في مقدار التباين بين الخطوط الرأسية والأفقية، بالإضافة إلى الفرق الأكبر في السماكات بين الحروف المستقيمة والدائرية. ومع ذلك، فإن النهج في هذين النمطين من الخطوط هو نفسه. وجميع العناصر الرسومية الإضافية، مثل القضبان العرضية في الحروف المركبة أو الذنابات، تتبع هذا المبدأ في توزيع السماكات.

في مثال الغروتيسك المحايد المخصص للواجهات والأنتيكفا النصية، يمكننا أن نرى القيم التي يمكن استخدامها لسماكات العناصر.
ملاحظة صغيرة بخصوص سماكة القوس في حرف “n”: غالبًا لا تتطابق سماكة هذا العنصر مع باقي الخطوط الأفقية في الحروف الصغيرة، ومن حيث المعنى، لا يُعد هذا العنصر مساويًا للعارضة الأفقية في حرف “Н”، لذا غالبًا ما يحتاج إلى تعويضات بصرية للحفاظ على توازن توزيع اللون الأسود داخل الحرف. إذا كنت ترسم السيريلية، فمن الأفضل استخدام حرف “н” لفهم السماكات العامة للخطوط الأفقية، أو استخدام العارضات في الحروف “а”، “е”، “z” أو “t”.
سأوضح بإيجاز بعض الحالات الأخرى التي قد تظهر عند تحديد سماكات عناصر الحروف. وسأبدأ بالغروتيسك، لأنه بطبيعته يميل إلى انعدام التباين البصري في سماكة الخطوط. لكن حتى ضمن عائلة خط واحدة، سيختلف الفرق في السماكة — فكلما كان وزن الخط أخف، قل التباين بين الخطوط. على سبيل المثال، في نمط Thin، قد تكون الخطوط الرأسية والأفقية متساوية في السماكة، أما مع ازدياد وزن الحروف (زيادة الكتلة السوداء)، فإن الفرق بين السماكات يزداد.

تختلف سماكات الخطوط في الغروتيسك أيضًا حسب الأسلوب. ففي الغروتيسك الإنساني (Humanist Grotesque)، يكون الفرق بين السماكات عادةً أكبر، أما في الغروتيسك الهندسي (Geometric Grotesque)، فقد لا يُلاحظ التباين تقريبًا. وفي نفس الوقت، نادرًا ما تختلف القيم الرأسية في الحروف الدائرية أو قد لا تختلف إطلاقًا. أما الأنتيكفا، فهي أكثر تنوعًا وتتطلب دقة أكبر في تحديد سماكات الخطوط، لأنها تؤثر بشكل مباشر على نمط الخط وشكل الحروف. هل الأنتيكفا التي تصممها تتميز بتباين مرتفع؟ أم أنها أقرب إلى الطراز القديم؟ أم أنها ذات تباين عكسي؟ القرار لك، ومنه ستتمكن من بناء نظام بصري متماسك لرسم الحروف. وسأتحدث عن التباين في الأنتيكفا بالتفصيل لاحقًا.
والآن حان الوقت للتوقف عند الحروف الدائرية والثلاثية الشكل. الحروف الدائرية تتطلب ما يسمى بـ “التمديد البصري” (Optical Overshoot)، وهو امتداد لأعلى وأسفل الخط القاعدي لجعل هذه الحروف تبدو متساوية في الارتفاع مع باقي الحروف ذات الأطراف المستقيمة. يُحسب مستوى التمديد بناءً على ارتفاع حرف “H” مضافًا إليه قيمة معينة في الأعلى والأسفل (يشمل هذا العناصر الدائرية من الجهتين). لا توجد قاعدة صارمة لحساب هذه القيمة، فهي تعتمد على نوع الخط ومجال استخدامه، لكننا غالبًا ما نستخدم القاعدة التالية: كلما زادت كثافة اللون الأسود في الحروف وكبر حجم الاستخدام، زادت الحاجة إلى مستوى أعلى من التمديد البصري. في أغلب الأحيان، تكون هذه القيمة بين 10 و15 نقطة. تجدر الإشارة إلى أن مستوى التمديد قد لا يكون موحدًا بين جميع الحروف — في بعض الحالات، وعند وجود حروف دائرية عريضة، قد تبدو الحروف الضيقة ذات التمديد (مثل “S”) وكأنها تقفز من السطر، مما يستدعي تقليل مستوى التمديد لديها. من الأفضل اختبار هذه التفاصيل بطباعة الشريط النصي، لذا لا تنسَ تجربة الخط بوسائل متعددة.

عند رسم الحروف ذات البُنية المثلثة، غالبًا ما يطرح سؤال حول المعايير التي يجب اعتمادها لسماكة الخطوط، إذ إن هذه الحروف قد تبدو أغمق أو أفتح بكثير من غيرها. استنادًا إلى تجربتي، أنصح ببدء رسم الخطوط القطرية بسماكة أقل قليلًا من السماكة الأساسية للعمود في حرف “H”، ثم اختبار كل حرف ضمن سياقه بين الحروف الأخرى. أحد الجوانب المهمة جدًا عند رسم الخطوط القطرية هو أن معظم الحروف ذات البنية المثلثة تحتوي على نقاط التقاء بين الخطوط القطرية، وهذه النقاط غالبًا ما تبدو بصريًا أكثر سماكة (ينطبق هذا أيضًا على حروف مثل “B”، “M”، “N”، “R” وغيرها). ولهذا السبب، من الضروري تعويض هذه المناطق عن طريق تقليل سماكة الخطوط المتلاقية.

في المقالة التالية، سنواصل الحديث عن التعويضات البصرية، ونتعرف على كيفية تحديد ارتفاعات الحروف الكبيرة والصغيرة، كما سنتناول مفهوم التباين.
