
في هذه المقالة سنتناول موضوع الخطوط المتغيّرة — أداة مثيرة ومفيدة في التصميم، لكنها لا تزال غير مُقدّرة حق قدرها من قبل الكثيرين.
وسنحرص أيضًا على ذكر الجوانب السلبية والتحديات المرتبطة باستخدامها.
سنناقش في المقال المواضيع التالية:
- تاريخ ظهور الخطوط المتغيرة
- الخصائص التقنية
- المزايا والعيوب
- كيفية استخدامها
- أمثلة إبداعية على استخدام الخطوط المتغيرة
تاريخ النشأة
في البداية، ولإعطائكم فكرة عامة، سنستعرض لمحة عن تاريخ تطور تقنيات الخطوط.
في النصف الثاني من ثمانينيات القرن العشرين، تم تقديم تنسيقي PostScript من قبل شركة Adobe، وTrueType من قبل شركة Apple لتطوير ملفات الخطوط. كلا التنسيقين يعتمدان على استخدام منحنيات بيزيا (Bézier) في بناء أشكال الحروف. وحتى اليوم، ما زلنا نستخدم هذه التنسيقات — بصيغ مُحدّثة — عند العمل على ملفات الخطوط.

في عام 1991، قدّمت شركة Adobe تقنية Multiple Master كتوسعة لتنسيق PostScript، وقد أتاحت هذه التقنية إمكانية تخزين عدة أشكال مختلفة لحرف واحد داخل ملف خط واحد. كانت هذه الأشكال تمثل نقاطًا نهائية على محور معيّن، وكان من الممكن توليد قيم وسطية بينها — على سبيل المثال، تعديل وزن الحرف أو عرضه.

لاستخدام هذا النوع من الخطوط، كان يجب أولًا توليد نمط ثابت من الخط باستخدام برنامج خاص يُدعى Adobe Type Manager، ثم بعد ذلك يتم تحميل هذا النمط في النظام لاستخدامه داخل برامج التصميم. لكن بسبب صعوبة الاستخدام وتعقيد العملية، لم تحظَ هذه التقنية بشعبية كبيرة، واستمر مصممو الخطوط في إنتاج الأنماط الثابتة التقليدية.

في عام 1997، قدّمت شركتا Adobe وMicrosoft بشكل مشترك تقنية OpenType، والتي استندت إلى تنسيق TrueType، لكنها جاءت بقدرات موسّعة بشكل كبير. أبرز ما قدمه OpenType: دعم عدد هائل من الرموز يصل إلى 65,000 (مقارنة بـ 256 فقط في السابق) إدخال ميزات OpenType الذكية التي أصبحت جزءًا أساسيًا من أي خط حديث ومن هذه الميزات: الحروف الصغيرة، الأرقام الجدولية، الحروف العلوية، مجموعات الأساليب، البدائل السياقية، وغيرها. ولا يزال تنسيق OpenType حتى اليوم هو التنسيق الأكثر شيوعًا في عالم تصميم الخطوط.
وأخيرًا، في عام 2016، أعلنت شركات Adobe وApple وGoogle وMicrosoft عن إصدار جديد من تنسيق OpenType يُعرف باسم OpenType Font Variations أو الخطوط المتغيّرة. منذ تلك اللحظة، أصبح بإمكان مصممي الخطوط تضمين معلومات عن عدة أنماط (Weights, Widths, إلخ) من العائلة الخطية في ملف واحد فقط. تشبه هذه التقنية مبدأ Multiple Master القديم، ولكن مع فرق جوهري: لم يعد هناك حاجة لتوليد أنماط ثابتة مسبقًا — بل يمكن تعديل الخصائص مباشرة داخل برامج التصميم.

الخصائص التقنية
دعونا نتوقف هنا لنتعمق أكثر في ما الذي يُميز تنسيق Variable Fonts عن تنسيق OpenType الكلاسيكي.
عند قيام المصمم بشراء عائلة خطية تقليدية — لنفترض أنها غروتيسك تحتوي على 9 أوزان — فإنه يحصل على 9 ملفات خطوط منفصلة. كل نمط (وزن) هو ملف مستقل تم إنشاؤه مسبقًا من قِبل مصمم الخط، وقد تم ضبط التدرّج بعناية لضمان توزيع متوازن من أنحف وزن إلى أثقل وزن.

الخط المتغيّر، على عكس ذلك، هو ملف واحد فقط يحتوي على نطاق من الأوزان، حيث يتم تحديد الحد الأدنى (أنحف وزن) والحد الأقصى (أثقل وزن) فقط. وبين هذين الحدين، يمكن للمصمم أن يختار أي وزن يريده بحرية.

إذا نظرنا داخل ملف الخط، سنجد أن كل رمز يتم بناؤه وفقًا لنقاط ارتكاز (Anchor Points). وعندما يكون عدد هذه النقاط متساويًا في كل من النمط الرفيع والنمط السميك، يمكن للبرنامج الربط بينها وحساب الأوضاع الوسيطة لنقاط الرسم تلقائيًا. بالطبع، تطوير الخط ليس بهذه البساطة دائمًا — ففي كثير من الحالات نضطر إلى تحديد أكثر من نمطين كمرجع (نقطة انطلاق ونهاية)، لكن هذا التعقيد لا يؤثر على تجربة المستخدم إطلاقًا.

الفارق بين النمطين الطرفيين يُعرف باسم المحور (Axis). وفي برامج التصميم مثل Adobe، يظهر هذا المحور كخط يحتوي على منزلق (Slider) يمكنك تحريكه لتحديد القيمة التي تناسبك ضمن النطاق المتاح.

أنواع محاور التغيّر في الخطوط المتغيّرة:
الخيار الأول — هو محور الوزن، والذي سبق أن تحدثنا عنه. ففي معظم العائلات الخطية، توجد عدة أوزان، ومن الناحية النظرية يمكن تحويلها جميعًا إلى محور متغيّر ضمن خط واحد.

تخيّل أنك اشتريت عائلة خط تقليدية وتخطط لاستخدامها في تصميم كتاب أو موقع يحتوي على كمية كبيرة من النص.
أنت تعرف مسبقًا ما هو الوزن المناسب للنص الرئيسي ليكون مريحًا للقراءة. لكن فجأة تواجه مشكلة: الوزن “العادي” يبدو خفيفًا جدًا، بينما الوزن التالي، مثل “ميديوم”، يبدو سميكًا أكثر من اللازم. الحل المثالي سيكون وزنًا وسطًا بين الاثنين — لكن هذا الخيار غير موجود في العائلة. لو كان هذا الخط خطًا متغيّرًا، فكل ما عليك فعله هو تحريك المنزلق في برنامج التصميم، أو تحديد قيمة مخصصة في CSS داخل كود الموقع، لضبط الوزن بدقة بين هذين النمطين.

المحور الشائع التالي هو محور العرض. في العائلات الخطية الثابتة، سيكون لديك خيارات محددة للعرض، مثل: عادي (Normal)، مضغوط (Condensed)، أو ممتد (Extended). أما في الخطوط المتغيّرة، فيمكنك ضبط عرض الحرف يدويًا واختيار أي قيمة بين أضيق وأعرض نمط بسهولة تامة.

قد تحتاج إلى هذا النوع من الضبط، على سبيل المثال، عند تنسيق النص في أعمدة ضيقة وتريد إدخال أكبر قدر ممكن من المحتوى. فالعرض العادي قد يكون عريضًا جدًا لهذا الغرض، بينما العرض الضيق قد يُصعّب قراءة كميات كبيرة من النص. الخط المتغيّر يتيح لك تضييق العرض قليلاً بطريقة متوازنة، دون التأثير سلبًا على قابلية القراءة.

المحور الثالث هو محور الميل. ويُستخدم هذا المحور عندما تكون بنية الحروف في النمط المائل مشابهة لتلك في النمط المستقيم. غالبًا ما يظهر هذا النوع من المحاور في خطوط الغروتيسك.

يمكنك ضبط زاوية ميل الخط بنفسك، مما يتيح لك التحكم في مدى بروز هذا النمط داخل كتلة النص. تُعد هذه الميزة مفيدة بشكل خاص عندما تحتاج إلى عرض كمية كبيرة من المحتوى بنمط مائل، مع الحفاظ على راحة القراءة وعدم التسبب في إجهاد بصري للمستخدم.

وأخيرًا، هناك محور آخر أقل شيوعًا لكنه مدعوم ضمن تنسيق OTF Var، وهو: محور الحجم البصري.

ربما صادفت من قبل الفروع الفرعية Display وText ضمن الخطوط المتغيّرة. تتميّز خطوط Display عادةً بتباين أعلى، وتفاصيل أدق، وتباعد أضيق بين الحروف. تُستخدم هذه الأنماط في العناوين، الملصقات، والمواقف التي يُعرض فيها النص بأحجام كبيرة.

أما فرع Text، فعلى العكس، يتميّز بتباين أقل وتفاصيل أبسط وأكثر صلابة، مما يجعله أكثر قابلية للقراءة في الأحجام الصغيرة وداخل كتل نصية كبيرة.
في الخط المتغيّر، يمكنك توليد خيار وسط، يكون لا يزال سهل القراءة في الأحجام الصغيرة، لكنه أكثر أناقة من النمط النصي التقليدي. ويُعد هذا الخيار مثالياً للاستخدام في العناوين الفرعية الصغيرة، على سبيل المثال.

لقد تحدثنا عن المحاور التي تم تضمينها مسبقًا من قِبل مطوّري تنسيق الخطوط المتغيّرة.
ولكل من هذه المحاور رمز حرفي خاص به:
- wght — الوزن
- wdth — العرض
- slnt — زاوية الميل
- ital — الميل (بشكل مائل)
- opsz — الحجم البصري
لكن مصممي الخطوط يمكنهم أيضًا ابتكار محاورهم الخاصة وإضافتها داخل الخط. هناك أمثلة واقعية تم تنفيذها، تشمل القدرة على تغيير: طول الذنابات، ارتفاع الحروف الصغيرة أو الكبيرة، طول الأجزاء الصاعدة والهابطة للحروف، درجة التباين، وغيرها من الخصائص.

وبالطبع، يمكن للخط أن يتغيّر أيضًا بشكل زخرفي — وهنا تكون الحدود الوحيدة هي خيال المصمم.
والآن تخيّل: محور واحد فقط يمكن أن يوفّر آلاف الأنماط المختلفة من نفس الخط. وإذا وُجد محوران، فقد تصل الاحتمالات إلى مليون. ومع وجود محاور مخصصة، تصبح إمكانيات الخط غير محدودة.
وباختصار، فإن الخطوط المتغيّرة تتيح لك حل كل مشكلة طباعية تقريبًا بكل مرونة وإبداع.
مزايا وعيوب الخطوط المتغيّرة
الآن سنتحدث عن بعض التحديات التي نواجهها عند استخدام الخطوط المتغيّرة، إلى جانب بعض الطرق الإبداعية لاستخدام هذه التقنية.
يجدر بالذكر أن تقنية الخطوط المتغيّرة موجودة منذ سنوات طويلة، وعلى الرغم من أن الأدوات البرمجية الخاصة بتحرير الخطوط أصبحت متقدمة وسهلة الاستخدام، وبات من الممكن تصميم خطوط متغيّرة بشكل أسرع وأسهل — إلا أن هذه الخطوط لم تحقق انتشارًا واسعًا أو استخدامًا جماهيريًا حتى الآن. وهذا قد يشير إلى أحد أمرين: إما أن مجال استخدامها محدود أو غير واضح؛ أو أن المنتج نفسه لا يلبّي متطلبات السوق بعد؛ أو أن الأدوات والتطبيقات لا تدعم استخدامها بشكل كافٍ. فعلى سبيل المثال، ليست كل برامج التصميم أو متصفحات الإنترنت تدعم تطبيق الخطوط المتغيّرة حتى اليوم. وبعض المتصفحات لا تدعم design apps.


أكبر عيب في الخطوط المتغيّرة يمكن اعتباره انخفاض جودتها في كثير من الأحيان. فالغالبية العظمى من الخطوط المتغيّرة يتم تصميمها بجودة متوسطة أو ضعيفة، وبالتالي، عند استخدامها عمليًا، قد تتصرف بطريقة غير متوقعة في اللحظات التي تكون فيها الدقة مطلوبة بشدة.

مثال آخر:
إذا كان لديك موقع إلكتروني يستقبل مليون تحميل يوميًا ويستخدم عائلة الخط Norms PRO الكاملة، فإن جميع الأنماط الثابتة في الموقع ستشغل حوالي 5306 كيلوبايت.
أما إذا استخدمت الخط المتغيّر من نفس العائلة، فسيشغل فقط 1875 كيلوبايت. انظر إلى الجدول أدناه — سنلاحظ أنه مع هذا العدد الهائل من التحميلات اليومية، تكون هناك فرق بمقدار 3272 غيغابايت يتم تحميلها من الخادم. من الواضح أن الفرق في كل تحميل فردي ليس كبيرًا، لكن عند جمعه على نطاق واسع، يصبح مؤثرًا للغاية.

كما يجدر بالذكر أن الغالبية العظمى من الخطوط المتغيّرة ليست “مُهندسة بصريًا” (غير مُحسّنة يدويًا). وهي عملية معقدة تتطلب مهارة وتعلّم، ويُطلق عليها في عالم الخطوط اسم الهينتينغ . وبسبب غياب هذه المعالجة، قد لا تظهر الخطوط المتغيّرة بشكل واضح أو دقيق في الأحجام الصغيرة.
كيفية استخدام الخطوط المتغيّرة
الآن دعونا نشرح كيف يمكن استخدام الخطوط المتغيّرة عمليًا في العمل.
لنبدأ مع برنامج Adobe Illustrator.
على سبيل المثال، قمت بكتابة نص وتريد اختيار خط متغيّر له من بين الخطوط المثبّتة لديك. في قائمة الخطوط، ستلاحظ أن الخطوط المتغيّرة تحمل علامة “var” بجانب اسمها. جدير بالذكر أن Adobe توفّر مجموعة من الخطوط المتغيّرة الخاصة بها، وهي مرفقة مع الإصدارات الحديثة من برامجها — لذا يمكنك البدء بتجربتها واستكشاف إمكانياتها.
عند اختيار خط متغيّر، ستظهر في لوحة Character زر إضافي باسم Variable Font. عند النقر عليه، ستُعرض جميع محاور التغيّر المتوفرة في الخط، ويمكنك تعديل خصائصها باستخدام المنزلقات (Sliders). النتيجة تظهر مباشرة على النص. جميع الإعدادات الأخرى في هذه اللوحة تبقى كما هي دون تغيير.
يمكنك أيضًا اختيار أحد الأنماط من القائمة واستخدام هذه العائلة كما لو كانت خطًا ثابتًا.
في برنامج Sketch، المبدأ هو نفسه تمامًا،
لكن لا يوجد رمز أو علامة خاصة تميّز الخطوط المتغيّرة في القائمة.
يمكن أيضًا دمج الخطوط المتغيّرة في الويب (WEB) باستخدام CSS. لن نتعمق في التفاصيل هنا. لكن يمكنك إلقاء نظرة على مثال يوضح كيفية دمج الخطوط المتغيّرة في الويب (WEB).
للتعرّف بشكل أعمق على استخدام الخطوط المتغيّرة في الويب (WEB)، يمكنك قراءة مقالات Richard Rutter على موقع medium.com.
Get started with variable fonts — مقدمة سريعة ولكن غنية بالمعلومات حول الخطوط المتغيّرة
How to use variable fonts in the real world — وصف للمشكلات التي قد تواجهك أثناء الاستخدام العملي وكيفية حلها.
أمثلة إبداعية على الاستخدام
نقترح عليك مشاهدة بعض الأمثلة الإبداعية التي تُظهر كيف يمكن استخدام الخطوط المتغيّرة بطرق مبتكرة عند توظيف الخيال.
أمثلة على كيفية تمديد النص حسب حدود الحاوية
مثال على محاولات مثيرة لاستخدام الخطوط المتغيّرة في تقنيات الواقع المعزز (AR)
مثال على كيفية تغيّر الخط حسب المسافة التي ننظر إليه منها
أمثلة على كيفية تعديل وزن الخط (درجة السماكة) حسب ظروف القراءة — وفي هذه الحالة، حسب درجة الإضاءة.
يمكنك الذهاب إلى أبعد من ذلك وتحويل الخط إلى صور متحركة، كما يقترح موقع axis-praxis. بل ويمكن جعله ملونًا من خلال تراكب عدة حروف فوق بعضها، كما يظهر في تجارب Toshi Omagari. مع ذلك، هذا الاستخدام لا يُعتبر بالطبع الهدف الأساسي من تصميم الخط، لكنه يفتح آفاقًا جديدة للإبداع والتجريب.

موارد مفيدة
نرغب في أن نوصي ببعض الموارد التي يمكنك من خلالها تجربة العمل بالخطوط المتغيّرة:
أولًا، موقع axis-praxis.org، الذي يضم عددًا كبيرًا من الخطوط المتغيّرة، ويمكنك أيضًا رفع الخطوط الخاصة بك إليه وتجربتها هناك.
ثانيًا، موقع v-fonts.com، والذي يتيح لك تجربة أنواع مختلفة من الخطوط المتغيّرة بطريقة مبسطة وسهلة.
وأخيرًا، الموقع الرائع الذي نعتمد عليه كثيرًا في عملنا لاختبار الخطوط المتغيّرة: dinamodarkroom.com من استوديو Dinamo. على هذا الموقع يمكنك اختبار محاور التغيّر، وخصائص OpenType، بل ويمكنك أيضًا تصدير خطوط ثابتة بناءً على الإعدادات التي تختارها.
الخاتمة
الخطوط المتغيّرة تملك فرصة حقيقية لتُصبح جزءًا لا يتجزأ من عالم الخطوط. ففي السنوات الأخيرة، نالت هذه التقنية الكثير من الاهتمام، لكنها حتى الآن لم تنتشر على نطاق واسع. مع ذلك، فهي بالفعل تُستخدم كأداة لحل مجموعة من المهام المتخصصة، ومن الجدير بالذكر أن عدد الخطوط المتغيّرة في تزايد مستمر. كما أن عددًا متزايدًا من برامج التصميم والتحرير المرئي بدأت تدعم هذا النوع من الخطوط. الخطوط المتغيّرة ستغزو العالم! الأمر مسألة وقت فقط.
