يسعدنا أن نعرض لكم قصة تصميم مشروع عائلة الخط TT Marxiana.
يُعد TT Marxiana مشروعًا لإعادة إحياء مجموعة من الخطوط ما قبل الثورة، والتي كانت تُستخدم في تنضيد مجلة “Нива” التي كانت تصدر عن دار النشر أ. ف. ماركس في سانت بطرسبرغ. في هذا المشروع، قررنا التركيز على مجموعة معينة من الخطوط التي استُخدمت في إنتاج وطباعة إصدار مجلة “Нива” (نيفا) لعام 1887، وهي: خط الأنتيكوا، الخط المائل، الغروتيسك، وخط الإلزيفير (Elzevir).
في مشروع TT Marxiana، حرصنا على الالتزام بالدقة التاريخية والحفاظ على أقصى قدر من القرب من المصدر الورقي الأصلي.
تجنّبنا عمدًا أي محاولة لـ “تحديث” الخطوط، باستثناء بعض الجوانب التقنية مثل تعديل الكيرنينغ، وإضافة ميزات OpenType، وإنشاء الهينتينغ اليدوي. والنتيجة هي أن المصمم يحصل على مجموعة خطية كاملة وعملية من خلال TT Marxiana، تُمكّنه من تصميم مجلة، على سبيل المثال، باستخدام أدوات وتقنيات حديثة، لكن بروح تصميم تعود إلى أواخر القرن التاسع عشر.
1. بداية المشروع
في صيف عام 2018، بدأنا نفكّر في فكرة تنفيذ مشروع لإحياء (أو إعادة بناء) عدد من الخطوط التاريخية التي كانت تُستخدم بشكل واسع قبل أكثر من 100 عام. رأينا أن ذلك سيكون بمثابة مساهمة قيّمة في إحياء جزء من الثقافة الطباعية ما قبل الثورة، والتي فُقدت جزئيًا، كما أنه سيكون فرصة ممتازة لتعريف المصممين المعاصرين بمشروع خطي تاريخي حقيقي.
في تلك الفترة، كانت هناك بالفعل في روسيا عدد من المطابع الكبيرة والمتقدمة، وكان النموذج الأساسي للكتابة بالسيريلية قد تطوّر إلى الشكل الذي نعرفه اليوم. وعلى الرغم من فقدان مجموعات الخطوط الأصلية، فقد تم الحفاظ على عدد كبير من النماذج المطبوعة من الكتب التي تعود إلى تلك الحقبة، مما أتاح لنا إمكانية العثور على بعض الخطوط الأكثر إثارة للاهتمام من بينها.
أثناء بحثنا عن الأفكار، ركزنا على الفترة الممتدة من أواخر القرن التاسع عشر إلى أوائل القرن العشرين، مع تركيز خاص على المطابع الروسية ما قبل الثورة.
2. المكتبة والمصادر
في البداية، عندما خططنا لزيارة المكتبة، كنا نظن أننا سنركّز فقط على الإصدارات الفاخرة والهدايا المميزة، وسنبحث فيها عن جواهر طباعية نادرة.
وفي الواقع، كنا نجد في المكتبات والأرشيفات الإلكترونية عينات خطية مثيرة للاهتمام بالفعل.

خلال عملية البحث، اكتشفنا أنه في الكتب المطبوعة في مطابع مختلفة، كان من الممكن العثور على نفس الخطوط أو على تنويعات قريبة منها.
وأثناء إحدى زياراتنا للمكتبة، وجدنا كتابًا من إصدار دار النشر “أ. ف. ماركس”، والذي أصبح نقطة الانطلاق لمشروعنا. في هذا الكتاب المؤلف من ثلاثة مجلدات، اكتشفنا مجموعة من الخطوط التي كانت مناسبة تمامًا لتحقيق فكرتنا.

بعد هذا الاكتشاف، قررنا نهائيًا المضي قدمًا في فكرة إنشاء مجموعة من الخطوط التي لا تتنافر فيما بينها، بل تُكمل بعضها البعض من خلال إدراك بصري مشترك. في الوقت نفسه، كان من الضروري أن تكون الخطوط مختلفة تمامًا من حيث الأسلوب، وأن تتمتع بسمات فردية مثل “الطابع”، “الشخصية”، “الطابع التاريخي”، “العاطفية”، “روح العصر”، وغيرها.
3. رسم ثلاثة أنماط أو النسخة الأولى من المشروع
في البداية، كنا نخطط لإنجاز جميع الأعمال في محرر الخطوط، ولكن بما أنه لم يكن يسمح بالعمل بشكل مناسب مع المراجع النقطية، قمنا بتنفيذ عملية التتبع من المصادر الورقية باستخدام محرر رسومي. هذا النهج صعّب علينا العمل لاحقًا، لأن منحنيات بيزييه في المحررات الرسومية لا توفر نفس الحرية في التعامل والدقة في الحفاظ على شكل الحروف كما هو الحال في محررات الخطوط المتخصصة. ومع ذلك، كان هذا كافيًا تمامًا للمرحلة الأولى.
أجبرتنا المسودات الرقمية الأولى على التفكير في الخصائص الأساسية للخطوط (مثل التناسب، التباين، شكل الذنابات)، وكذلك في المفهوم العام للمشروع.

4. العمل على الخط المتغير أو الطريق المسدود
بعد ظهور أولى المسودات، عدنا مرة أخرى لمناقشة مفهوم مشروعنا. بدأنا نفكر في تكوين العائلة الخطية نفسها، وكذلك في مفهوم “الإحياء” (إعادة البناء). يمكن تفسير مفهوم إحياء الخط بطريقتين: من جهة، يشير المصطلح إلى تطابق تام مع الأصل، ومن جهة أخرى، يمنح بعض الحرية للتعبير الذاتي ضمن الموضوع المحدد. في ذلك الوقت، لم نكن ندرك تمامًا الاتجاه الذي ينبغي علينا اتباعه.
كان بإمكاننا إما إنشاء خط مستقل مبني على مصدر قديم، يحمل في طياته حداثة فنية ووظيفية معينة، أو القيام بإعادة إحياء تاريخية كاملة للخط الأصلي دون أي إضافات أو “رغبات” من جانبنا.
وفي النهاية، اخترنا الطريق الخاطئ المتمثل في الاستقلالية الفنية — إذ انجرفنا وراء التوجهات الرائجة والإمكانات البرمجية الجديدة، واتخذنا قرارًا بتطوير مشروعنا ليصبح خطًا متغيرًا تجريبيًا.
كانت الفكرة بحد ذاتها مثيرة للاهتمام، وقد قضينا وقتًا طويلًا في محاولة إيجاد أكثر الانتقالات سلاسة وانسجامًا بين الخطوط المختلفة من خلال آلية التغير. ولتحقيق سلاسة أكبر، قمنا بتعديل أشكال الذنابات وبعض التفاصيل الأخرى في الخط، مما أدى إلى ابتعادنا بشكل أكبر عن المصدر الأصلي.

في النهاية، حصلنا على نموذج عملي، لكنه بدا غريبًا وغير مألوف، وأدركنا أن المشروع لا يمكن أن يستمر بهذا الشكل. كان علينا إما إعادة النظر في المفهوم بأكمله، أو التخلي عن الجوانب الرسومية للخطوط المرجعية ما قبل الثورة.


5. التخلي عن الفكرة الأصلية والبحث عن مفاهيم جديدة
بعد عام من بدء العمل، حظي المشروع بحياة جديدة. أعدنا النظر في المفهوم، واتخذنا مجلة «نيفا» مرجعًا لنا، كونها الأقرب إلى ما كنا نبحث عنه من ناحية “الطابع التاريخي”.
كانت مجلة «نيفا» تصدر أسبوعيًا من أواخر عام 1869 حتى سبتمبر 1918، ونشرتها دار النشر أ. ف. ماركس في سانت بطرسبرغ. وبفضل رخص ثمنها وسياسة أ. ف. ماركس، أصبحت المجلة شديدة الشعبية وبلغت أعلى معدلات التوزيع بين جميع المجلات في روسيا آنذاك، حيث وصل عدد نسخها إلى 240,000 نسخة. كانت المجلة تنشر مقالات جغرافية وتاريخية، ومقالات في «العلوم والفنون»، وتناقش قضايا طبية، وتنشر أعمالًا أدبية مترجمة، إضافة إلى مؤلفات كُتّاب روس. وقد عرّفت مجلة «نيفا» الجمهور بعدد كبير من الأسماء الكلاسيكية في الأدب الروسي، ولعبت دورًا تنويريًا كبيرًا في أوساط قرائها.
لقد ألهمتنا هذه القصة، وبدت لنا فكرة ابتكار خط يحاكي — عند طباعته في الظروف الحديثة — جميع التفاوتات والخشونة المميزة لطباعة أواخر القرن التاسع عشر فكرة جذابة للغاية. وفوق ذلك، عثرت إحدى زميلاتنا في منزلها الريفي على مجموعة مجلدة من أعداد مجلة «نيفا» تعود لعام 1887، مما سمح لنا — حرفيًا — بالغوص في غبار القرون الماضية.

الاستنتاجات التي توصلنا إليها بعد هذا إعادة التفكير كانت كالتالي:
الخطوط المعاد إحياؤها والمزودة بعناصر فنية حديثة ليست نادرة، أما الخطوط التي تُعيد إنتاج النماذج التاريخية بشكل كامل ومتطابق، فهي أقل شيوعًا بكثير. وهكذا قررنا تغيير فكرتنا الأساسية.
6. العمل مع المصادر الورقية
وهكذا، أصبح بحوزتنا حوالي خمسين عددًا من مجلة «نيفا»، وكان علينا أن نفهم كيف نتعامل معها بشكل صحيح. يمكن تقسيم كل عدد من أعداد مجلة «نيفا» بشكل تقريبي إلى قسمين: القسم الأول هو المحتوى (المقالات والأدب القصصي)، والقسم الثاني هو الملاحق (الأحاجي والإعلانات). وإذا كانت صفحات الإعلانات تعجّ بخطوط عرضية صاخبة على مبدأ “من يصرخ أكثر”، فإن القسم المحتوى من المجلة كان مصممًا بأسلوب محافظ جدًا: عمودان من النص، محاذاة كاملة، وعناوين موضوعة في المنتصف.

لقد اخترنا التركيز على أربعة خطوط رئيسية: الأنتيکفا، والمائل (إيتاليك)، والغرُوتِسْك، والإلْزِيفِير.
كان خط الأنتيکفا المستخدم في المجلة ضيقًا نسبيًا، يتميّز بأشكال مميزة جدًا لبعض الحروف السيريلية مثل б، л، д، и у. وقد تم تنضيد معظم صفحات المجلة باستخدام هذا الخط. أما الخط المائل، فكان قريبًا جدًا في تصميمه من الأنتيکفا، واستخدم في المجلة لتسليط الضوء على أجزاء معيّنة من النص. وكان خط الغروتسك سميكًا نوعًا ما، واستخدم بشكل أساسي في العناوين الفرعية والتعليقات التوضيحية للرسوم. أما خط الإلزيفير، فقد استُخدم لطباعة جميع العناوين.

في المجلة، كان من الممكن العثور على خط الأنتيكفا بأحجام نقطية مختلفة، لكننا قررنا اعتماد أصغر حجم (حوالي 8 نقاط) كأساس للرسم، لأن إيقاعه وتفاصيله البصرية بدت لنا الأكثر إثارة للاهتمام.
وبالتالي، كنا نبحث عن المراجع البصرية لمعظم أحرف مجموعة الخط بين النماذج ذات الحجم الصغير، وإذا صادفنا رموزًا أو حروفًا لم تكن موجودة إلا بأحجام أكبر، كنا نحاول موازنتها بصريًا مع الحروف الصغيرة، من خلال ضبط توازن بين الأسود والأبيض.

طوال فترة العمل على المشروع، كنا نقلب ونراجع مجلدات مجلة «نيفا» مرات عديدة. كنا نسعى للعثور على أكبر عدد ممكن من الرموز، والتفاصيل، والعناصر الطباعية الأثرية التي يمكننا إضافتها إلى مشروعنا.
أثناء دراستنا للمجلة، صادفنا عددًا من الحروف التي توزعت فيها الحبرات بشكل غير منتظم، وهو ما يُعد إحدى السمات المميزة للطباعة ذات الجودة المنخفضة في ذلك الزمن. في مثل هذه الطباعة، تظهر في بعض الحروف وصلات زائدة غير مقصودة، في حين تختفي بعض التفاصيل من حروف أخرى.

قررنا الحفاظ على هذه السمة، فأنشأنا مجموعة أسلوبية منفصلة تتضمن عيوب الطباعة، مما يمنح المصمم المعاصر فرصة لتجربة المشكلات التي كان يواجهها أسلافه من الطابعين.
وبالإضافة إلى الحروف الأساسية للسيريلية واللاتينية، كان من المخطط أن تحتوي الخطوط على مجموعة موسعة من الرموز، تشمل مجموعة كبيرة من علامات الترقيم، والرموز الفنية، وعلامات العملات، وغيرها.
من الغريب أنه كان من الممكن تمامًا جمع الحروف اللاتينية الأساسية من مجلة تُنشر باللغة الروسية. ويرجع ذلك لسببين رئيسيين: أولًا، نشكر الكتّاب الكلاسيكيين الذين كانوا يستخدمون العبارات الفرنسية كثيرًا في نصوصهم، وثانيًا، لأن مجلة «نيفا» كانت تنشر مقالات علمية، وقد كُتبت العديد من العناوين والمصطلحات فيها باللغة اللاتينية.
ولكن، رغم أننا استعرضنا كامل أرشيف مجلة «نيفا» على مدار قرابة خمسين عامًا من صدورها، لم نتمكن من العثور على جميع الرموز التي كنا بحاجة إليها. عندها لجأنا إلى كتالوجات الخطوط الطباعية من أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين. وقد كانت فكرة موفّقة، إذ تمكنا من سدّ بعض الثغرات جزئيًا، كما وجدنا من خلالها مبررات لبعض القرارات التصميمية التي اتخذناها أثناء العمل.

أكثر الأعمال إثارة للاهتمام في جمع مجموعة الرموز كانت مرتبطة بخط الإلزيفير. ففي مجلة «نيفا»، استُخدم هذا الخط حصريًا للعناوين، ولهذا لم يكن لدينا أي مواد بصرية تساعد في رسم الحروف اللاتينية الخاصة به. وللعثور على مراجع مناسبة، قمنا بمراجعة نحو مئتي كتاب وكتالوج، وفي نهاية المطاف، استطعنا رسم الحروف اللاتينية لهذا الخط بأنفسنا.

أثناء بحثنا، اكتشفنا أيضًا أن الخطوط من نوع “الرهبانية”، مثل خط الإلزيفير الذي نعمل عليه، كانت موجودة بصيغتين: بحروف صغيرة وبأحرف كابيتيل (الحروف الكبيرة في حجم الحروف الصغيرة) — وهي النسخة الأقدم. والأهم من ذلك أن مجلة «نيفا» في أول عشر سنوات من صدورها كانت تستخدم خط إلزيفير بحروف كابيتيل في العناوين. وفي نهاية المطاف، قررنا أن نجمع في خط الإلزيفير الخاص بنا بين الأنظمة الثلاثة، بإضافة حروف الكابيتيل إليه أيضًا.
وفوق ذلك، حالفنا الحظ مرة أخرى — إذ وُجد على رف كتب لدى أحد زملائنا إصدار معاد طباعته (ريبرينت) من «حكايات هوف» من دار نشر فولف، وكانت العناوين فيه مطبوعة بخط إلزيفير، وبالضبط باستخدام حروف الكابيتيل التي كنا نبحث عنها.

ونود أن نُشير بشكل خاص إلى صفحات الإعلانات في مجلة «نيفا». فجميع هذه الإعلانات، بإطاراتها المزخرفة، والمنضدة كلٌّ بخطه الخاص، إلى جانب الرسوم التوضيحية لآلات التصوير ما قبل الثورة أو قوارير الحبوب، والعناصر الرسومية الأخرى — كانت تأسر النظر وتعكس بالكامل روح ذلك العصر.
وكنا نرغب بشدة في إضافة كل هذه العناصر الزخرفية إلى خطنا، لكن العقل والمنطق أمليا علينا ضرورة التوازن، وأن لا نُثقل مشروعًا ضخمًا في الأصل بتفاصيل إضافية قد تُربكه أو تُعيق استخدامه.
في النهاية، قررنا الاكتفاء بإضافة عناصر محددة إلى المشروع، وهي: أسهم الإشارة، وفواصل زخرفية، وإطارات يمكن استخدامها كحدود، بالإضافة إلى مجموعة خاصة معكوسة لخط الغروتسك.
ولنجعل هذه المجموعة أكثر تميزًا، أضفنا إليها بعض العناصر الزخرفية المستوحاة من كتالوج مصهر الحروف أو. أو. غيربيك، والذي تتوافق مجموعته من الخطوط والزخارف مع تلك المستخدمة في دار نشر أ. ف. ماركس.

بالتوازي مع تحديدنا لمجموعة الرموز، بدأنا بعملية مسح ضوئي لصفحات المجلة. حرصنا على إجراء المسح بدقة عالية جدًا: من 2400 إلى 4800 نقطة في البوصة (dpi). في البداية كنا نقوم بمسح الصفحات بالكامل، لكننا سرعان ما اكتشفنا أن التعامل مع مثل هذه الملفات الضخمة مرهق للغاية، وأن مسح صفحة واحدة يستغرق وقتًا طويلًا جدًا. لذلك غيّرنا منهجنا، وبدأنا بمسح أسطر مفردة أو حتى كلمات بعينها تحتوي على الرموز التي نحتاجها. ورغم أن هذه الطريقة استغرقت وقتًا طويلًا، إلا أن النتيجة كانت مرضية تمامًا بالنسبة لنا.

7. رسم خط الأنتيکفا
بدأ العمل على خط الأنتيکفا بنقل المسودات المرسومة من محرر الرسوم إلى محرر الخطوط المتخصص. في البداية، قمنا بضبط الأبعاد الأساسية للحروف — مثل عرض الساق (stem width)، وارتفاع الحروف الصغيرة (x-height)، وارتفاع الحروف الكبيرة (H-height) — بحيث تطابقت الخطوط الرقمية الجديدة بأكبر قدر ممكن مع نسب الحروف الأصلية من مجلة «نيفا». ومن اللافت أن هذه القيم الأساسية (x-height، H-height، عرض الساق) ظلت ثابتة طوال فترة العمل على المشروع، في حين تغيّرت مواقع العناصر الصاعدة والهابطة (الامتدادات العلوية والسفلية للحروف) أكثر من مرة أثناء التطوير.
ويُعزى ذلك إلى أن إيقاع الخط والانطباع العام عن نسبه يسهل التقاطهما بصريًا، بينما تُعد العناصر الصاعدة والهابطة أكثر تعقيدًا في التحديد، إذ غالبًا ما تكون ضعيفة الطباعة أو أن الأسطر المنضدة تنحرف عن خط الأساس، مما يجعل من الصعب تحديد ارتفاعها بدقة.


منذ اليوم الأول للعمل على الخط، أصبح من الواضح لنا أن الذنابات يجب أن تُنفذ باستخدام مكوّنات “كورنر” (corner components). هذا القرار أنقذنا من التعديلات المتكررة اللانهائية على نفس العناصر المتكررة داخل الخط. ففي الواقع، تم إنشاء كل زَسِيكة (نهاية زخرفية) في الخط كمكوّن مستقل، لذلك، عندما كنا نقرر تغيير شكل إحدى الزسِيكات، لم نكن بحاجة إلى تعديل كل حرف على حدة، بل يكفي تعديل مكوّن “الكورنر” الواحد. في البداية، اعتقدنا أن حلّنا سيكون بسيطًا:
يكفي إنشاء مكوّنين corner لذنابات الخط — واحدة كبيرة تُستخدم مع الحروف الكبيرة، وأخرى أصغر للحروف الصغيرة. لكن في الواقع، تبيّن أن نوعين فقط من الذنابات لم يكونا كافيين، وبالتالي، ظهر في الخط عدد أكبر من الذنابات بأشكال وأحجام متنوعة. بالإضافة إلى ذلك، قررنا إنشاء مكوّنات corner لعناصر أخرى مميزة ومتكررة في الخط — مثل الزوايا المستديرة (التقويسات). وكان في الخط عدد كبير منها. ولأن هدفنا كان الحفاظ على الطابع الطباعي لتلك الحقبة، بما فيه من تشوهات ناتجة عن سَحب الحبر، والتغبيش، والانحرافات الطباعية، فقد احتجنا في نهاية المطاف إلى استخدام 20 مكوّن corner مختلفًا في بناء الخط.

كما اتضح لنا، فإن رسم خط استنادًا إلى صفحات ممسوحة ضوئيًا من مجلة عمرها قرن من الزمان هو مهمة بالغة التعقيد. في الواقع، يشبه هذا النوع من إعادة بناء الخطوط التنقيب الأثري أو فكّ شفرة معقدة. وكل هذا الجهد يُبذل فقط من أجل الوصول إلى لحظة الإدراك: ما هي الخطوات الدقيقة التي يجب اتخاذها لكي لا يكون الخط الناتج مجرد “أنتيکفا”، بل يكون الأنتيکفا بعينها، الدقيقة والمحددة، التي ظهرت في مجلة «نيفا».
بالإضافة إلى ذلك، وبسبب خصوصية الطباعة في ذلك الزمن، كانت نفس الحروف تبدو بأشكال مختلفة تمامًا ضمن نفس المجلة، وهو ما زاد المهمة تعقيدًا بشكل كبير. في موضعٍ ما، تكون كمية الحبر أقل من اللازم، فتظهر الحروف في المراجع باهتة ورفيعة، وفي موضع آخر، يزداد الحبر وتظهر بقع وتشوهات وانسكابات. كان التحدي الرئيسي هو الحفاظ على هذا الإحساس المطبعي — هذا الطابع الحي والمشوَّه قليلًا للطباعة اليدوية، لكن في الوقت ذاته، كنا بحاجة إلى استخراج منطق موحَّد وطابع ثابت لانتشار الحبر وتشوه الحروف، بحيث يُكوّن الخط صورة متكاملة ومنسجمة، وإن كانت حيّة ونابضة بالتفاوتات.

بعض الحروف اللاتينية كانت مفقودة في صفحات مجلة «نيفا»، ولذلك اعتمدنا في رسمها على كتالوجات الخطوط الطباعية من أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين. كان تركيزنا الأساسي على الحروف اللاتينية، لأن استخدامها في «نيفا» كان محدودًا نسبيًا.
فعلى سبيل المثال، تمت رسم نسخ مبدئية من حرف ß (germandbls) بالاستناد إلى مراجع من الكتالوج، لكن مع تقدم العمل، تطورت هذه الرسمة تدريجيًا، واكتسبت شكلًا وطابعًا يتناغمان بشكل أفضل مع هوية الخط الذي كنا نصممه.


مهما بلغ هذا المشروع من خصوصية وتعقيد، كنا نحاول في كل مرة العودة إلى منهجية مألوفة لنا في العمل على الخطوط، وهي التفكير في الخط بوصفه نظامًا متكاملاً، حيث تعيش جميع الرموز وتتفاعل مع بعضها وفق قواعد وضوابط محددة. وعندما كان يواجهنا سؤال — مثل كيفية توزيع التباين، أو مدى بروز الحروف أسفل السطر أو أعلاه — كنا نتخذ قراراتنا بناءً على خبرتنا العملية بالدرجة الأولى.
لكن حتى هنا لم تخلُ الأمور من المفاجآت والاكتشافات. فعندما وصلنا أخيرًا إلى منحنيات ونِسَب مرضية في تصميم الحروف، لاحظنا أن هناك اختلافات بين تصميم الرموز الجديدة والتصاميم الأصلية من المجلة. وأدى تعديل هذه الرموز إلى سلسلة من التغييرات في رموز أخرى مرتبطة بها، وبذلك خضع الخط بأكمله لتحولات كبيرة من جديد.

كان من أصعب ما واجهناه هو العمل على الحروف الدائرية. فقد قمنا مرارًا وتكرارًا بتعديل سُمْك الخطوط الأفقية، وطول الامتدادات السفلية، وسُمْك وعمق نقاط الاتصال. وفي هذا المشروع، لم يكن ممكنًا اعتماد قيمة واحدة للأماكن الرفيعة والالتزام بها فقط. كان علينا باستمرار تعويض اختلافات السُّمك بين الحروف، حتى يبدو النص من جهة متوازنًا وموحدًا، ومن جهة أخرى يعكس بصريًا طبيعة الخط الأصلي المستخدم في المجلة.
أولينا اهتمامًا خاصًا بطابع الأشكال البيضاوية في التنضيد، لأننا أردنا أن ننقل أسلوبها من التصميم الأصلي بأكبر قدر من الدقة. ولتحقيق ذلك، راقبنا وعدلنا عن كثب معايير دقيقة يصعب ملاحظتها، مثل درجة التربيع، الاستطالة، الشكل المعيّن، وامتلاء الأشكال البيضاوية.
قمنا بتعديل النقاط الموجودة في نهايات الخطوط عدة مرات، لأنه على عكس الذنابات التقليدية، لم تكن هذه النقاط مكونات زاوية (corner components)، بل كانت تُرسم بشكل فردي لكل حرف. إذا نظرنا إلى المجموعة الأصلية، يمكننا أن نلاحظ أن النقاط تختلف في معظم الأحرف. ويرجع ذلك إلى أن هذه العناصر كانت تتأثر بشكل خاص بعدم انتظام الطباعة في تلك الحقبة. كان من المهم بالنسبة لنا الحفاظ على الحيوية والديناميكية في شكل النقاط، ولكن في الوقت نفسه حاولنا توحيدها من حيث الشكل والحجم — لتحقيق تجانس أكبر في النص المكتوب.

على الرغم من العمل الدقيق الذي قمنا به، عندما بدأنا في اختبار الخط ضمن النص ومقارنته بصفحات مرجعية من مجلة “نيفا”، واجهنا مفاجأة غير سارة. نعم، لقد نجحنا بلا شك في إنشاء خط أنتيكفا نصي ضيق يعكس طابع أواخر القرن التاسع عشر، لكنه لم يكن الخط المستخدم في مجلة “نيفا”. اضطررنا إلى مراجعة وتحليل كل حرف في الخط لتحديد السبب الدقيق الذي غيّر طابع الخط وجعله مختلفًا.

عندما انتهينا من العمل الأساسي على المنحنيات، قررنا إضافة مجموعة بديلة من الحروف إلى الخط تحاكي عيوب الطباعة.

بفضل العمل على الخط الأنتيكوا، اكتسبنا خبرة ومهارات هائلة تمكّنا لاحقًا من توظيفها في تطوير الخطوط الثلاثة الباقية من عائلة TT Marxiana.
8. رسم الخط المائل
لرسم الخط المائل، استعنا بزميلنا الذي نتعاون معه عن بُعد. وقد زودناه بجميع النسخ الممسوحة ضوئيًا بالإضافة إلى الخط الأنتيكوا الجاهز، والذي يمكن استخدامه كمصدر لجميع القيم الأساسية.
تكوّن سير العمل من عدة مراحل: رسم الحروف الأساسية AOH و AOXIU ومراجعتها؛ ثم رسم الكلمات المألوفة لنا جميعًا مثل HANDGLOVES وНОБЕЛЬФАЙК؛ وأخيرًا رسم باقي الحروف بضع علامات في كل مرة. في النهاية، استغرق الوصول إلى النتيجة المطلوبة وقتًا أطول قليلًا مما كنا نخطط له في البداية.

نظرًا لأننا وجدنا استخدامًا واحدًا فقط للحرف اللاتيني الصغير “k” في المجلة، وكان يبدو مشابهاً بشكل مريب للحرف السيرِيلي “к”، قررنا إضافة شكل بديل للحرف اللاتيني “k” في الخط، يكون أكثر ألفة للمستخدم المعاصر.

النُسخة البديلة للحرف اللاتيني «k»
في المرحلة الأولى من اختبار الخط في النص ومقارنته بنص مجلة “نيفا”، واصلنا تعديل المنحنيات، ثم طبعنا النتائج وراجعناها، ثم عدّلناها مجددًا، وكررنا العملية مرارًا. وبعد الانتهاء من تحرير المنحنيات، قمنا بضبط كل الزوائد (السيريفات) وضبط المقاييس. والنتيجة أن الخط المائل يبدو جيدًا جدًا في النص ويكمل الخط الأنتيكفا بشكل ممتاز.
9. رسم الخط الغروتسكي
تم رسم الحروف الأساسية للغروتسك بالفعل خلال المرحلة الأولى من المشروع في محرر الرسوميات، وكان هذا العمل مصحوبًا بمشاكل مشابهة لتلك التي تحدثنا عنها سابقًا في قسم الأنتيكفا. تبيّن أن مجلة «نيفا» استخدمت نفس الخط الغروتسكي، وكل ما تبقّى لنا هو تحسينه وتعديله.

إذا نظرنا إلى الخط الغروتسكي بالحجم الكبير جدًا في مجلة «نيفا»، يمكننا أن نلاحظ أن الخط لم يكن يُقصد به أن يكون دائريًا بهذا الشكل البارز. ولكن في الأحجام الأصغر، كانت الأحبار تتمدد وتنتشر، مما جعل الحروف تبدو وكأنها منتفخة. ونظرًا لأننا التزمنا منذ البداية بفكرة الحفاظ على عيوب الطباعة، فقد قررنا الإبقاء على هذه التفاصيل كما هي.
تصميم الغروتيسك كان يثير بعض القلق بسبب حيويته الزائدة، إذ كان يختلف بشكل ملحوظ عن الخطوط الغروتيسكية الحديثة التي اعتاد عليها الجميع. في بعض الأحيان، كنا نشعر بأنه ربما ينبغي تهدئة التصميم قليلاً، لكن عند اختباره في الطباعة، بدا الغروتيسك جيدًا ومتناغمًا.
اللمسة الأخيرة في العمل على الغروتيسك كانت تعديل سماكة الأحرف الكبيرة، إذ بدت أثخن من الأحرف الصغيرة. كان علينا تقليل هذا التأثير قليلاً دون إزالته تمامًا، لأن الأحرف الكبيرة في النسخة الأصلية من المجلة كانت أيضًا تبدو أكثر سُمكًا بعض الشيء.
كان هذا أحد القرارات التي اتخذناها لصالح الطابع التاريخي أثناء عملنا على مشروع TT Marxiana. في جميع مشاريعنا، نسعى دائمًا لتحقيق نتيجة مثالية، لكن في هذه الحالة كان المثالي يتمثل في تحقيق “النقص التاريخي” المتعمد.

الاختلافات في سماكة الأحرف الكبيرة والصغيرة
10. رسم خط الإلزيفير
تم استخدام خط الإلزيفير في مجلة “نيفا” كخط عناوين مخصص للأحجام الكبيرة من النصوص، ولذلك يتميّز بأشكال أكثر وضوحًا مقارنة بباقي خطوط العائلة، حيث لم تتأثر حروفه كثيرًا بتشوهات الطباعة. يتطابق ارتفاع الحروف الصغيرة والكبيرة في الإلزيفير مع نظيرتها في خط الأنتيکفا، لكنه يعتبر خطًا أخف وزنًا، ويتميّز بكثرة الزوايا الحادة، خلافًا للأنتيکفا والغروتيسك.
كما في عملية إنشاء خط الأنتيكفا، بدأنا العمل على خط الإلزيفير برسم الحروف اعتمادًا على المسح الضوئي الموجود من صفحات المجلة. قمنا بدراسة نسب الحروف وتحديد سماكات السيقان (stems)، لكننا سريعًا واجهنا مسألة شكل الزوايا الطرفية (الزُسَيْكَات أو serifs). ففي المراجع الممسوحة ضوئيًا، كانت هذه الزُسَيْكَات غير واضحة تمامًا — ما أتاح إمكانية تفسيرها إمّا كأشكال مستديرة، أو كعناصر مستقيمة تمامًا.

في المراحل الأولى جدًا من العمل على الإلزيفير، صممنا الذنابات على شكل شبه منحرف بزاويا حادة غير مدورة. هذا الشكل منح الخط وضوحًا، لكنه في الوقت نفسه أحدث شعورًا بعدم الانسجام مع باقي عناصر الحروف، خصوصًا في الأشكال الدائرية، كما لاحظنا تباعدًا عامًا عن النماذج المرجعية من المجلة.
اتخذنا قرارًا بجعل الزُسَيْكَات أرق، وكذلك أضفنا إليها تقوّسات بسيطة. وتم تطبيق هذه التقوّسات نفسها على جميع نهايات الخطوط، مما جعلها عنصرًا أساسيًا في تشكيل أسلوب الخط.

البحث عن وزن وشكل الذنابات في خط إيلزيفير
إذا كانت هناك “قطرات” في الخط الأنتيكفا في حروف مثل a وc وf وr وy، فإن النهايات في خط إيلزيفير لا يمكن اعتبارها قطرات بالمعنى الحرفي، لأن هذه العناصر تتميز بنهايات حادة – لقد أطلقنا عليها اسم “القطرات الشبيهة بالسيف”. لقد كرّسنا وقتًا طويلًا لصقل الشكل الصحيح لهذه العناصر – حيث كان من الضروري أثناء رسمها الحفاظ على التوازن بين حدة الشكل في الخط الجديد والحفاظ على الإحساس بالطباعة المطبعية في النسخ الأصلية.

على الرغم من أن الإلزيفير في مجلة «نيفا» بدا أوضح من باقي الخطوط، إلا أن تنوع أشكاله كان موجودًا أيضًا، فعلى سبيل المثال، كانت القطرات في الرموز قد تتراوح من ممتلئة جدًا إلى “هيكلية”.

علاوة على ذلك، أثناء تصفح المجلة، كان من الممكن العثور على أشكال مختلفة للحروف، مثل حرف «м»، في السطر نفسه. ومن أجل الحفاظ على مثل هذه السمات المميزة، قمنا بإضافة بدائل أسلوبية في الخط. بالإضافة إلى ذلك، كانت العناوين في المجلة تحتوي أحيانًا على زخارف (swashes) موضوعة دون منطق واضح.

إحدى الميزات المثيرة للاهتمام في خط الإلزيڤير الخاص بنا هي الزخارف (swashes) للأحرف الكبيرة. بالإضافة إلى ذلك، قمنا بإضافة أشكال بديلة لبعض الحروف، حيث تتحول العارضة إلى “زاوية” عند تفعيلها، كما هو الحال في الحرف Аа.

استخدام الحرف البديل «О» والحروف الصغيرة الكبيرة (Capitals) في العنوان.
يمكن تقسيم جميع الزخارف (Swashes) في خط الإلزيفير إلى أربع مجموعات: زخارف للأحرف الدائرية مثل ОСSUЭЗ؛ زخارف كامتداد للجذع (stems) في الحروف مثل HEDFP وغيرها؛ زخارف كامتداد للقطر في الحروف مثل AVXM وغيرها؛ زخارف للحروف مثل RКЯ، حيث تتحول “رِجل” الحرف إلى زخرفة. في بعض الحالات، أدى إضافة الزخرفة إلى تغيير في شكل الحرف نفسه، كما حدث مثلًا في الحرف В.

مجموعة الحروف البديلة المزودة بالزخارف مخصصة لاستخدامها في الحروف الأولى من الكلمات – تمامًا كما كان مطبقًا في المجلة.

مثال على استخدام الحرفين البديلين «М» و «s»
نظرًا لأن الحروف كابيتيل في نوع إلزيفير ظهرت فقط في إصدارات المجلة خلال السنوات الأولى، كان من الضروري أن نراجع جميع الخطوط الخارجية والنسب، ونقوم بتعديلها بحيث يبدو الخط متماسكًا ومتجانسًا. وخلال عملية التعديلات، اكتشفنا أن الزوايا في الكابيتيل أقل وزنًا من الزوايا في باقي الحروف، وأن عرض الحروف لا يتماشى مع النظام الذي اعتمدناه.
قمنا بتعديل جميع الفروقات أو أنشأنا لها أشكالًا بديلة. بالإضافة إلى ذلك، كان هناك بعض التناقضات الأكثر وضوحًا في الخط. فعلى سبيل المثال، كانت الحروف الكبيرة (الكابيتيل) في حرفي «К» و«З» تحتوي على نقاط نهاية تقليدية على أطراف الخطوط، بينما كانت النقاط في النسخة الأساسية من الخط ذات شكل خاص يُشبه «الشفرة».

بعد مراجعة الخطوط وإجراء بعض التعديلات على المنحنيات والمقاييس، أصبح الخط يبدو متكاملاً ومبهراً، وبهذا أنهينا رسميًا العمل الأساسي على الخطوط في هذا المشروع.
11. إنشاء الكيرنينغ
لنكون صريحًا، في البداية كنا نُفكر في عدم إضافة كيرنينغ على الإطلاق إلى خطوط عائلة TT Marxiana. السبب في ذلك هو أن الخطوط المعدنية من تلك الحقبة لم تكن تتيح إمكانية التعويض الإجباري في التباعد بين الحروف إلا بشكل جزئي. ولهذا نجد أن النصوص في النسخ المطبوعة الأصلية كانت في بعض المواضع إما متراصّة جدًا أو متباعدة بشكل مفرط.
من جهة، كان من المغري جدًا بالنسبة لنا أن نُعيد هذا التأثير في خط TT Marxiana، لكننا كنا ندرك أيضًا أنه في الظروف الحديثة سيبدو ذلك وكأنه عيب في النص، إذ إن الفراغات في التراكيب، مهما في الخطوط القديمة، تبدو اليوم غير جذابة من الناحية الجمالية.
منذ البداية، تعاملنا مع المشروع بأقصى قدر من الجدية والاحترام، ولذلك حاولنا تطوير منهجية خاصة للكرنينغ – خصيصًا من أجل TT Marxiana.

في البداية، أنشأنا مجموعات كيرنينغ – وهي مجموعات من الحروف يُعيَّن فيها الحرف الأول ليكون لديه أزواج كيرنينغ (تباعد) مع حروف أخرى، بينما ترث الحروف التالية في هذه المجموعة نفس الكيرنينغ وتطبقه على نفسها. إليك مثالاً نموذجياً على مثل هذه المجموعة: a’ à á â ã ä å ā ă ą في هذه المجموعة، يتم أولاً ضبط الكيرنينغ للحرف اللاتيني “a”، ثم تقوم باقي الحروف في المجموعة باقتباس نفس الكيرنينغ وتطبيقه على نفسها.
أثناء العمل على الكيرنينغ، أنشأنا مجموعات منفصلة لكل من الأبجدية اللاتينية والسيريلية، بما في ذلك جميع العلامات التشكيلية (الديакريتيكية). وكانت أكثر المجموعات إثارة للاهتمام هي تلك الخاصة بالرموز غير الحرفية. على سبيل المثال: مجموعة bottom تضم النقطة، الفاصلة، علامات الحذف، وعلامات الاقتباس المنخفضة السفلية. مجموعة middle تحتوي على الشرطة القصيرة، الشرطة المتوسطة، والشرطة الطويلة. مجموعة top تشمل علامات الاقتباس العلوية. كما أنشأنا أيضاً مجموعات خاصة بعلامات الاقتباس السيريلية من نوع الاقتباسات الزاويّة بالإضافة إلى الأقواس (الثلاثة أنواع المختلفة ضمن مجموعة واحدة).
بعد ذلك، انتقلنا إلى مرحلة طويلة ومضنية من إعداد الكيرنينغ اليدوي. قمنا بما يلي: في الأبجدية اللاتينية: أنشأنا كيرنينغ يدوي لجميع أزواج الأحرف الكبيرة من AA إلى ZZ، وكذلك لجميع أزواج الأحرف الصغيرة من aa إلى zz. في الأبجدية السيريلية: أعددنا كيرنينغ لأزواج الأحرف الكبيرة من АА إلى ЯЯ، وأيضًا لأزواج الأحرف الصغيرة من аа إلى яя. أنشأنا مجموعات كيرنينغ منفصلة للأزواج من نوع “حرف كبير + حرف صغير”، مثل المستخدمة في الأسماء أو بدايات الجمل. على سبيل المثال: Aa–Zz للاتينية و Аа–Яя للسيريلية. بالطريقة نفسها، أعددنا كيرنينغ لحروف الكابيتيل في خط إلزفير. ولم نغفل عن الأرقام: تم إعداد كيرنينغ لجميع أزواج الأرقام من 00 إلى 99 في كل خط من الخطوط.

لاستكمال الصورة، كنا بحاجة إلى توافق علامات الخدمة مع الحروف النصية، ولذلك قمنا بإنشاء كيرنينغ لجميع علامات الخدمة مع جميع الحروف: .X، X.، -X، X-، ‘X، X’، (X، X)، «X، X»، حيث يمكن استبدال “X” بأي حرف كبير لاتيني، أو كبير سيريلي، أو صغير لاتيني، أو صغير سيريلي، أو حرف كابيتال لاتيني، أو كابيتال سيريلي، بالإضافة إلى جميع الأرقام، بما في ذلك الأرقام المصغّرة.
في النهاية، تم إنشاء أكثر من 1000 زوج كيرنينغ في الخط الغروتيسك، وأكثر من 1300 زوج كيرنينغ في خط الأنتيكفا.
12. العناصر الزخرفية في عائلة الخط
في البداية قمنا بفرز العناصر الزخرفية (القطع النهائية) الخاصة بالكتابة البيضاء في خط الغروتيسك وجمعناها منطقيًا في مجموعات. في جدول رموز الخط، تم ترتيب هذه العناصر على النحو التالي: الزاوية العلوية اليسرى، الزاوية العلوية اليمنى، الزاوية السفلية اليسرى، الزاوية السفلية اليمنى — وهي أجزاء من إطار مكوَّن من أربع جهات. تُستخدم هذه القطع النهائية عندما تتم كتابة النص بالكتابة البيضاء على سطرين. في هذه الحالة، يجب على المستخدم ضبط المسافات بين السطور والحروف يدويًا بحيث يبدو كتلة النص كعنصر واحد متماسك.

للنص المعكوس على سطر واحد، قمنا بتجميع القطع النهائية في أزواج — اليسرى واليمنى.

عند الحديث عن ميزات OpenType، فهي بشكل عام قياسية في خطوطنا، وتوجد في جميع خطوط عائلة TT Marxiana — وتشمل الميزات التالية: CASE، ORDN، FRAC، SUPS، SINF، NUMR، DNOM، TNUM، ONUM، SALT، SS01–SS05، LOCL، LIGA، CALT.
تتكرر ميزات OpenType SALT و SS01 مع بعضها البعض. فعند استخدام ميزة SALT (أو SS01) في خط الغروتيسك، يتم استبدال النص العادي (بغض النظر عن حالة الأحرف) بنص مفرغ يتكوّن فقط من الأحرف الكبيرة. أما في خط الأنتيكا، فإن هاتين الميزتين تُفعلان رموزًا بديلة تحاكي تمدد الحبر في الطباعة.

قمنا أيضًا بفرز العناصر الزخرفية في خط الأنتيكا لتسهيل العثور على العناصر المطلوبة للإطارات. ولتمكين المستخدم من كتابة الجانب العلوي من الإطار باستخدام أداة “النص” فقط، أضفنا الزوايا اليمنى للإطارات – حيث يتم وضع هذا العنصر بشكل معكوس بالنسبة للزاوية اليسرى.

تنوع الإطارات في خط الأنتيكا
أثناء فحص الإطارات في برامج التصميم، اكتشفنا نوعين من الإطارات تحتوي على عناصر زاوية غير متماثلة تمامًا. قمنا بحل هذه المشكلة عن طريق إضافة الأجزاء الناقصة إليها.

أثناء اختبار الخطوط، واجهنا من حين لآخر لحظات مثيرة للاهتمام. على سبيل المثال، في الويب يُستخدم غالبًا الفراغ غير القابل للكسر بدلاً من الفراغ العادي — وكان علينا أخذ ذلك في الاعتبار ضمن كود ميزة OpenType، حتى يتمكن المستخدم عند العمل على الكتابة السلبية من كتابة عدة فراغات متتالية، بحيث يتم استبدالها جميعًا بلوحة سوداء مطلوبة تلقائيًا.
واجهنا أيضًا مشكلة أثناء تصدير الخطوط بصيغة .otf مع تفعيل خيار Remove Overlap. تبيّن أن أحد العناصر الزخرفية لدينا كان بعرض يقارب 10,000 وحدة، بينما لا يستطيع هذا السكربت معالجة أكثر من 8191 وحدة. لذلك، اضطررنا إلى استبعاد هذا الغليف باستخدام معامل مخصص.
13. الإملاء قبل الثورة
أغرب ميزة من ميزات OpenType الموجودة في عائلة الخطوط TT Marxiana هي تحويل الإملاء الحديث إلى الإملاء الروسي ما قبل الثورة. وتُعدّ هذه الوظيفة زخرفية وتجريبية بالدرجة الأولى، إذ من غير الممكن تضمين المجموعة الكاملة لجميع الكلمات المحتملة التي تحتاج إلى استبدال دون التأثير سلبًا على حجم الخط ومدة تطويره.
تتضمن هذه الميزة عددًا كبيرًا من البدائل السياقية، ولكن بما أن ميزة OpenType القياسية CALT كانت مستخدمة بالفعل، فقد قررنا إضافة هذا الكود إلى المجموعة الأسلوبية SS02.
من أجل البحث عن قواعد تطبيق الإملاء ما قبل الثوري، استخدمنا عدة مصادر: مقال على موقع arzamas.academy بعنوان “Какъ писать въ старой орѳографіи?” (كيف تكتب بالإملاء القديم)، بالإضافة إلى مقال من ويكيبيديا. ولأغراض اختبار بعض الكلمات، استخدمنا موقع slavenica.com.

في البداية، كتبنا استبدالات للكلمات الاستثنائية: استبدال “ф” بـ”فيتا”، واستبدال “и” التي تسبق حرفًا صوتيًا بـ”الإي العشرية”، واستبدالات متنوعة لـ”е” بـ”يات”، أما الاستثناءات التي تتطلب استخدام “إيجيتسا” فقد تم تجاهلها على الفور نظرًا لندرتها في الاستخدام.

ثم أضفنا الاستبدالات في البوادئ “рас-“، “ис-“، “вос-“، “бес-“، “черес-“، والتي كانت تُكتب بحرف «з» في الإملاء البتريني. ولأجل استبدال «е» بحرف «ять»، قمنا بجمع جميع الكلمات من القصائد (من المقالة على موقع Arzamas) التي تحتوي على كلمات استثنائية، واستخرجنا جذورها، وأخذنا بعين الاعتبار الحروف الممكنة التي قد تتبع الجذر في مختلف الأزمنة والحالات النحوية. كما لم ننسَ أخذ حالة الأحرف (كبيرة أو صغيرة) بعين الاعتبار عند كتابة الكلمة.
بالإضافة إلى ذلك، أضفنا إلى الكود الظروف، والضمائر، وحروف الجر الشائعة الاستخدام التي تحتوي على حرف «ять»، وكذلك اللاحقة «-ейш-»، والنهايات «-еть» و«-еться». أما في الكلمات المنتهية بـ «-него» و«-ого»، فقد استبدلناها بـ «-няго» و«-аго». اضطررنا إلى التضحية ببعض القواعد المتعلقة بالنهايات واللواحق، لكي لا نضطر إلى إدخال عدد هائل من الاستثناءات، إذ كانت مهمتنا الأساسية هي إنشاء خط، وليس تطوير نظام ترجمة آلية.
14. الهينتينغ
كما هو الحال مع جميع خطوطنا الحديثة، بذلنا قصارى جهدنا لتقديم هينتينغ عالي الجودة في خط TT Marxiana.

نظرًا لأن نمط Grotesque كان أول ما تم العمل عليه في عملية الهينتينغ، فستُعرض الأمثلة عليه.
أولاً، قمنا باستعادة المساحات البيضاء الداخلية داخل الحروف.

ثم قمنا باستعادة بعض المنحنيات.

بعد ذلك، قمنا بمزامنة سماكات السيقان، سواء بين السيقان داخل الجليف الواحد، أو بين الجليفات بشكل عام.

بالإضافة إلى ذلك، قمنا بإزالة الانحرافات واستعادة ارتفاعات الحروف، وبالطبع قمنا بتصحيح تراكب العلامات التشكيلية (الديـاكريتيكية) على الحروف الأساسية.


15. اختبار الخط
يمكن تقسيم جميع الأعمال المتعلقة باختبار خط TT Marxiana إلى عدة مراحل:
- إدخال التعديلات على محتوى الجليفات أثناء كتابة وضبط ميزات OpenType؛
- اختبار ميزات OpenType نفسها في برامج مختلفة؛
- التحقق من الهينتينغ بأحجام مختلفة؛
- إدخال تعديلات بسيطة في معلومات الخط (Font Info)؛
- تصحيح وإضافة أزواج الكيرنينغ؛
- بالإضافة إلى تصحيح ميزة الإملاء ما قبل الثورة من خلال إضافة روابط زخرفية مساعدة وإعادة كتابة كود الميزة.
أكبر عدد من الجليفات الجديدة أضفناه خلال مرحلة الاختبار كان في خط الإلزيفير — شمل ذلك الأرقام الجدولية، والنسخ البديلة للحرف «s» مع العلامات التشكيلية، وجميع الجليفات المزودة بعلامات تشكيل لميزة النمط الأسلوبي SS01 التي تتضمن الزخارف (swashes)، بالإضافة إلى الحروف الكابتيل «А». ولأجل تسهيل العمل، قمنا بتلوين جميع الرموز الجديدة باللون الوردي وأدرجناها في كود الميزات.

تم إجراء اختبار ميزات OpenType بشكل أساسي في برامج التصميم الجرافيكي. ولهذا الغرض، أنشأنا قالبًا مخصصًا لكل خط من عائلة الخطوط، يعرض جميع التركيبات الممكنة للميزات المفعّلة في الوقت ذاته.

من الخطوات الأساسية في برنامج اختبار الخط هو التحقق من جودة الهينتينغ. إلى جانب أدواتنا الخاصة لاختبار الهينتينغ، استخدمنا أيضًا موقع serpentype.ru. في تبويب hinting، قمنا بإدخال جميع الجليفات من الخط مع رموز Unicode الخاصة بها لكل حجم متاح من 48 إلى 12 بكسل. بعد ذلك، قمنا بفحص كل رمز بدقة بحثًا عن أي عيوب محتملة. وفي حال العثور على أي منها، كنا نرسل تلك الملاحظات إلى مبرمجنا لإجراء التصحيحات على الهينتينغ. بعد التعديلات، كنا نراجع الرموز المصححة بالإضافة إلى التحقق من الرموز التي يتم تفعيلها من خلال الميزات.

بالتوازي مع ذلك، قمنا بتوزيع الخطوط على جميع زملائنا لاختبارها. وبعد هذا الفحص، اكتشفنا بعض العيوب التي تم تصحيحها أيضًا.
على سبيل المثال، في الأنتيکفا والكتابة المائلة، كان حجم المؤشر ومربع التحديد (Bounding Box) أكبر بكثير من الرموز الرئيسية بسبب وجود عناصر زخرفية عمودية عالية جدًا. ولحل هذه المشكلة، اضطررنا إلى إزالة الأجزاء الرأسية من زوايا الإطارات الزخرفية.

قمنا أيضًا بمراجعة مجموعات الكيرنينغ وأضفنا عددًا من أزواج الكيرنينغ الجديدة.
كان آخر بند في قائمة التعديلات هو التغيير الجزئي في مبدأ عمل ميزة الإملاء ما قبل الإصلاح من خلال المجموعة الأسلوبية ss02. في البداية، أدرجنا في كود الميزة استبدالات من نوع “واحد إلى متعدد” لإدخال علامة التوقف الصلبة (الـ”твёрдый знак”) في الكلمات التي تنتهي بحرف ساكن. ولكن هذا الاستبدال لم يعمل تلقائيًا في برامج Adobe، حيث كان على المستخدم تفعيل ذلك يدويًا: الدخول إلى الإعدادات، تحديد خيار معين، ثم تغيير نوع تنسيق الأحرف في لوحة الفقرة، ليبدأ حينها عمل الميزة بشكل صحيح. ولتسهيل الأمر على المستخدمين، أضفنا في كل خط من خطوط العائلة لِيغاتور (ربطات رموز) مساعدة من عدة أنواع: حرف ساكن كبير + علامة التوقف الصلبة الكبيرة, حرف ساكن كبير + علامة التوقف الصلبة الصغيرة, حرف ساكن صغير + علامة التوقف الصلبة الصغيرة, وفي خط Elzevir أضفنا أيضًا: حرف ساكن كبير + علامة التوقف الصلبة الصغيرة بنمط الأحرف الكابتيل في المجموع، تمت إضافة حوالي 298 لِيغاتور مساعدة إلى الخطوط الأربعة.
كما قمنا بإجراء تعديلات كبيرة في كود هذه الميزة، فبدلاً من استخدام استبدالات من نوع “واحد إلى متعدد” (one to many)، بدأنا في استخدام استبدالات من نوع “واحد إلى واحد” (one to one). بفضل هذا التغيير، أصبحت الميزة تعمل في جميع البرامج بطريقة موحدة ومن دون الحاجة إلى أي إعدادات إضافية من قِبل المستخدم.
16. نتائج المشروع
بدأ مشروع TT Marxiana في نهاية صيف عام 2018، ومنذ بدايته تجاوز حدود المشاريع التقليدية التي تقوم بها TypeType، وذلك بسبب العامل المهم المرتبط بالحفاظ على الهوية التاريخية. ونظرًا لأننا لم نقم سابقًا بإعادة بناء خط اعتمادًا على مصادر ورقية تاريخية وبهذا المستوى من التفصيل والانتباه إلى التفاصيل، فقد استغرق منا تنفيذ هذا المشروع عامين كاملين.

أثناء عملنا على هذا المشروع، تعلمنا الكثير بل وأعدنا النظر في بعض العمليات الإنتاجية الداخلية في استوديو التصميم لدينا. نأمل أن تكونوا قد استمتعتم بقصتنا حول إنشاء هذا الخط.

سيسعدنا سماع آرائكم، أسئلتكم حول المشروع أو اقتراحاتكم لمواضيع المقالات القادمة.

فريق عمل مشروع TT Marxiana
عمل على مشروع تصميم عائلة الخطوط TT Marxiana سبعة أشخاص، بما في ذلك المصممون، المتخصصون التقنيون، والمديرون. القائمة الكاملة للمشاركين:
إيفان غلادكيخ — المدير الفني؛
يوليا غونينا — مديرة المشروع؛
مارينا خداك — المديرة الفنية للمشروع ومصممة الخطوط؛
آنا تيخونوفا — مصممة خطوط؛
نادير رخيموف — مصمم خطوط؛
فيكتور روبينكو — مهندس خطوط، مختص في الهينتينغ؛
يوري ناكونيشني — مهندس خطوط، مختبر.
روابط مفيدة
عينات الخط | العرض المرئي للمشروع | شراء الخط أو تجربته
بيانات التواصل
إذا كانت لديكم أي أسئلة، فلا تترددوا في الكتابة لنا على البريد الإلكتروني: marketing@typetype.org، وسنرد عليكم بالتأكيد.
